فخر الدين الرازي
9
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( إن ربك واسع المغفرة ) * وذلك على قولنا : * ( الذين يجتنبون ) * ابتداء الكلام في غاية الظهور ، لأن المحسن مجزى وذنبه مغفور ، ومجتنب الكبائر كذلك ذنبه الصغير مغفور ، والمقدم على الكبائر إذا تاب مغفور الذنب ، فلم يبق ممن لم تصل إليهم مغفرة إلا الذين أساؤا وأصروا عليها ، فالمغفرة واسعة وفيه معنى آخر لطيف ، وهو أنه تعالى لما أخرج المسئ عن المغفرة بين أن ذلك ليس لضيق فيها ، بل ذلك بمشيئة الله تعالى ، ولو أراد الله مغفرة كل من أحسن وأساء لفعل ، وما كان يضيق عنهم مغفرته ، والمغفرة من الستر ، وهو لا يكون إلا على قبيح ، وكل من خلقه الله إذا نظرت في فعله ، ونسبته إلى نعم الله تجده مقصراً مسيئاً ، فإن من جازى المنعم بنعم لا تحصى مع استغنائه الظاهر ، وعظمته الواضحة بدرهم أو أقل منه يحتاج إلى ستر ما فعله . ثم قال تعالى : * ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) * وفي المناسبة وجوه أحدها : هو تقرير لما مر من قوله : * ( هو أعلم بمن ضل ) * ( النجم : 30 ) كأن العامل من الكفار يقول : نحن نعمل أموراً في جوف الليل المظلم ، وفي البيت الخالي فكيف يعلمه الله تعالى ؟ فقال : ليس عملكم أخفى من أحوالكم وأنتم أجنة في بطون أمهاتكم ، والله عالم بتلك الأحوال ثانيها : هو إشارة إلى الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله ، فإن الحق علم أحوالهم وهم في بطون الأمهات ، فكتب على البعض أنه ضال ، والبعض أنه مهتد ثالثها : تأكيد وبيان للجزاء ، وذلك لأنه لما قال : * ( ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ) * ( النجم : 31 ) قال الكافرون : هذا الجزاء لا يتحقق إلا بالحشر ، وجمع الأجزاء بعد تفرقها وإعادة ما كان لزيد من الأجزاء في بدنه من غير اختلاط غير ممكن ، فقال تعالى : * ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم ) * فيجمعها بقدرته على وفق علمه كما أنشأكم ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : العامل في : * ( إذ ) * يحتمل أن يكون ما يدل عليه : * ( أعلم ) * أي علمكم وقت الإنشاء ، ويحتمل أن يكون اذكروا فيكون تقريراً لكونه عالماً ويكون تقديره : * ( هو أعلم بكم ) * وقد تم الكلام ، ثم يقول : إن كنتم في شك من علمه بكم فاذكروا حال إنشائكم من التراب . المسألة الثانية : ذكرنا مراراً أن قوله : * ( من الأرض ) * من الناس من قال آدم فإنه من تراب ، وقررنا أن كل أحد أصله من التراب ، فإنه يصير غذاء ، ثم يصير نطفة . المسألة الثالثة : لو قال قائل : لا بد من صرف * ( إذ أنشأكم من الأرض ) * إلى آدم ، لأن * ( وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ) * عائد إلى غيره ، فإنه لم يكن جنيناً ، ولو قلت بأن قوله تعالى